التاريخ

الزير سالم قصة فارسٍ قـ.ـاتل 40 عاماً لأخذ ثأر أخيه خفايا وحقائق المهلهل

تركيا رصد

الزير سالم

قصة فارسٍ قـاتل 40 عاماً لأخذ ثأر أخيه

خفايا وحقائق المهلهل

 

اسمه ولقبه:

الزير سالم هو عدي بن ربيعة بن الحارث بن مرة بن هبيرة التغلبي من بني تغلب, ولقب بألقاب عديدة أبرزها “الزير سالم”, كما قيل بأن اسمه سالم, وقد سماه أخوه كليب ب “الزير” لأنه كان زير نساء “يجالس النساء”, ولقب بالمهلهل لأنه كان يلبس ثيابا مهلهلة.

 

نشأة الزير:

قصة عجيبة حملت الكثير من الأحداث والمصائب والأهوال, وصلت إلينا بعد مئات السنين تتوارثها الأجيال, تحدثنا عن مـقتلة عظيمة وقعت بين أبناء العمومة لتفرق جمعهم وتضعف قوتهم ومكانتهم, وتشتت أمرهم, بدأت بمكائد النساء واشتعلت بناقة, وقـتلت من الفرسان ما لا يعد ولا يحصى.

 

قصة من أروع ما تناقلها العرب منذ غابر الزمان, بشخصية الزير أو المهلهل, التي اعتقدها البعض أسطورة من نسج الخيال والأوهام, والحقيقة أنه بطل لا يشق له غبار وشاعر أنشد لقصته أعظم الأشعار.

 

يحكى أن قبيلتين سكنتا على أطراف بلاد الشام وتدعيان بكر وتغلب, حكمهما ربيعة وكان من ملوك العربان, وأخوه مرة من سادة الأعيان, وكان للأخوين عدد من الأبناء والبنات والغلمان.

 

ولد لربيعة عدد من الأبناء أبرزهم كليب, وبطل قصتنا سالم الملقب بالزير لولعه بالخمر والنساء, وله درعان وغيرهم من الأبناء, مع بنت جميلة بشكلها, رائعة بطباعها تدعى ضباع.

 

أما أخوه مرة وهو من السادة الأمراء, فله من الأبناء همام وجساس, وله كذلك بنت فاتنة جميلة, ونبيلة أصيلة, سماها أباها بعدما ولدت له ب الجليلة.

 

عرفت قبيلتا بكر وتغلب وهم إخوة وأبناء عمومة بالانسجام فيما بينهما, على عكس التناحر الذي ساد تلك الفترة بين القبائل العربية فيما بينها, والتي عاشت على الإغـارة والسبي على بعضها البعض.

 

قصة الزير تبدأ من والده ربيعة الذي أغار على الملك الكندي لينتصر عليه في مـعركة سميت السلاه, ليستعين الأخير بالتبع اليماني والذي أرسل جيشا تمكن من أسر ربيعة وقـتله.

 

قصة أرعبت قبائل العرب التي انصاعت لأمره وقدمت له السمع والطاعة, لتقفل القصة وتفتح قصة ثأر لمأقتل ربيعة, من ولديه كليب وسالم, ولكن منعهما صغر سنهما بذلك الوقت.

 

مضت الأيام وبات الصغار شباناً أقوياء, كليب فارس مغوار لا يعرف له منافس, والزير سالم فتى قوي البنية, شجاعاً مقداماً, لولا لهوه وميله للنساء والخمر, لا تجده إلا عند الحاجة.

أحب كليب أخاه الزير حبا شديدا وكيف لا يحبه وهو من أشرف على رعايته عقب مقتل والدهم, وبات كليب سيدا على قومه والزير سالم فتى في العاشرة من عمره.

أشرف كليب على تدريب أخاه فنون الفروسية والقتال, حتى بات فارسا مغوارا لا يهاب أحدا ولا يخشى المصاعب مهما بلغت, يهابه الجميع صاحب قلب لا يعرف الرحمة عند الشدائد.

أحب الزير سالم الصيد لحب أخيه كليب الذي علمه فنونها, ليقضي معظم أوقاته بعيدا عن أهله بين البراري, يعود محملا برؤوس السباع والغزلان متباهيا مختالا بما اصطاد وسط دهشة وعجب أبناء قبيلته.

شخصية الزير وصفاته:

رجل عرف بشجاعته, ونسجت الأقاويل والقصص على فروسيته, فضلاً عن حبه للشعر والقائه, و ولعه بالخمر ونسائه, أحب اللهو والصيد واعتزال القبيلة, فضلا عن حبه الشديد لأخيه كليب وامتثاله لأوامره ولو كانت مستحيلة.

روت الاخبار والقصص عن بنية قوية تمتع بها الزير, من قامة ممشوقة وعضلات مفتولة, أمضى شبابه بين الخمر والنساء, أو في البراري يصطاد الليالي الطوال من السباع والضباع وغيرها من الوحوش.

 

للشعر من حياة الزير نصيب, وما أكثر ما ألقى من الشعر وهو ثمل منتشٍ, حتى قيل بأنه خال الشاعر امرؤ القيس وله أبيات كثيرة حين لهوه منها:

شربت كؤوس الخمر لكي أنساك           وإذا بكل كأس أراك

ما سال الدمع إلا لذكراك                       قسما برب العباد لن أنساك

أمرت النسيان أن ينساك                      فنسيت النسيان ولم أنساك

 

الزير يساعد أخاه في استرداد الجليلة:

لعب الزير سالم مع أخيه كليب دوراً كبيرا في الأخذ بثأر والده ربيعة من التبع اليماني الذي قتله, وبدأت قصة الثأر من الجليلة ابن عم الزير سالم, والتي أصبحت لاحقا زوجة أخيه كليب.

 

فقد وصل لمسامع التبع اليماني ما تتمتع به الجليلة من جمال أخاذ, وقيل عبر خالتها البسوس التي عملت على تزويج الجليلة للتبع, طمعا في المال منه ولتحرم ابن عمها كليب منها, رغم وعد أبيها مرة لكليب بها.

 

على عجل أرسل التبع اليماني وزيره نبهان, إلى أبيها مرة, لخطبة ابنته ظاهرا, يحمل التهديد والوعيد باطناً, بتزويج ابنته للتبع اليماني أو اختيار الحرب على قبيلته, مما أوقع مرة في حيرة من أمره.

 

برجاحة عقله وحقنا لدماء قبيلته, وافق مرة على طلب التبع اليماني بالعلن, مخفيا حزناً وذلاً وانكساراً فيما بطن, كيف لا وقد أحس بقهر على كلمة أعطاها لابن أخيه سابقاً بتزويجه الجليلة, قد تلحق به عاراً لسنوات طويلة.

 

لم يجد مرة بداً من استدعاء كليب لإخباره بما حصل, وفي وجهه نظرة حزن آملا بانقضاء الأجل, ليخبر كليبا القصة بحسرة وهوان, محاولا شرح ما حصل لابن أخيه, آملا منه السماح والغفران.

 

كليب لم يرضى الذل والهوان, قاصدا العرافين في ذلك الزمان, فجائه الجواب أن لا سبيل للملك سوى بالحيلة والخداع, فجهز صناديق الجهاز للعروس, مخفيا بداخلها الفرسان بدل الملابس والكؤوس.

 

شد الجهاز الرحال نحو الملك اليماني وكليب معهم وقد تنكر, بشخصية رجل ساذج يدعى قشمر, حتى وصل الجهاز وكليب للملك في قصره, خرج كليب ليطعن الملك في صدره.

 

عاد كليب ومعه الزير سالم إلى قبيلته, مصطحبا الجليلة ليتزوج كليب من خليلته, وبات كليب سيدا على قومه وأبناء عمومته, ومعه الزير سالم مساندا له في ملكه القائم.

 

محاولة الجليلة للتخلص من الزير:

لم تكن بين الجليلة وأخو زوجها الزير سالم أية أحداث أو مصائب ببداية حياتهم, الزير عاد لصيده في البرية, أو راكضا وراء الخمر والنساء قاصدا ملذاته الشخصية, حتى وقع البلاء من قبل إخوة الجليلة الأشقاء.

 

كعادة العرب لمعرفة الغيب والطالع, أخبر إخوة الجليلة أختهم بأن الزير سالم, سيعلو شأنه يوما وينتزع الملك من أخيه برضاه أو غصباً, وهنا ثارت الجليلة وبدأت بنصب المكيدة والحيلة, لإبعاد الزير أو قتله بأية وسيلة.

 

بدأت الجليلة تنسج المكائد للزير سالم عند أخيه كليب, ولحبه لم يكترث كليب لزوجته بداية الامر, لتكمل الجليلة خطتها دون أن تمل أو تكل, حتى تسلل الحقد لكليب تجاه أخيه سالم, ليخطط للتخلص على عجل دون أن يبقي منه أي أثر.

 

مما زاد في غضب كليب من أخيه الزير سالم, ادعاء الجليلة بأن الزير حاول معها ارتكاب الحرام والفاحشة وهو عنها غافل ونائم, مما زاد في غيظ كليب تجاه أخيه, داعيا إياها لترك الأمر بين يديه.

 

حاول كليب التخلص من أخيه الزير سالم بشتى الطرق, إلا أن محاولاته باءت بالفشل, فالزير سالم فارس شجاع لا يهاب المخاطر, وعاد من مغامراته منتصرا, بعدما عرف مكر وحيلة الجليلة, دون ان يكترث للأمر فداء لأخيه وللقبيلة.

 

فمرة أرسل كليبا أخاه الزير سالم إلى البرية ليأتي له بحليب اللبوة, لشفاء الجليلة كما كانت تدعي, فرجع الزير سالم تحت دهشة الكثيرين يجر وراؤه رأس الأسد واللبوة وأشبالهم, ومعه قربة الحليب كما طلبت منه الجليلة مما زاد من غيظها وحقدها عليه.

 

ومرة أرسلت الجليلة الزير سالم لجلب ماء من بئر السباع, بحجة مرض كليب الذي لا يشفى إلا من ذلك الماء, ليعود الزير سالم ومعه قربة الماء لأخيه, رغم علمه بكذب الجليلة, وإنما لم يحرك ساكنا لعلمه بحب أخيه له وهذا ليس إلا من مكر الجليلة له.

 

على الرغم من ذكاء الجليلة وخططها البارعة للتخلص من الزير سالم, إلا أنها فشلت لشجاعة الأخير وحسن تدبيره, ليبقى الأمر كما هو قائم.

 

غرور كليب وسطوته بداية لحرب الدماء

عقب استفراد كليب بالسلطة وتنصيبه ملكا على قبيلتي بكر وتغلب, زاد من سطوته عليهم, وبات يصدر الأوامر تلو الأوامر, مما زاد من غضب أبناء عمومته متهمين إياه بظلمهم على حساب قبيلته وحاشيته.

 

منع كليب إضرام نار دون ناره, ولقب نفسه حامي الحمى, كما منع الصيد في الصحراء والفلاة, بعد أن كان وسيلة العيش للقبائل في سبيل البقاء, وتارة بعد تارة, أصبحت حياة رعاته أكثر قسوة ومرارة.

 

بلغ السيل الزبى بأبناء عم كليب, ومنهم جساس وهو فارس من خيرة الفرسان, لولا طيشه وقلة صبره التي أخذت من عقله أي مأخذ, فتصرفاته فيها من الطيش والغرور الكثير, فكان في جل المواقف لا يحسن التدبير.

 

سبب الحرب المباشرة

في تلك الفترة ومع ازدياد تسلط كليب على أعوانه وأبناء عمومته, زارت سعاد بنت منقذ وهي خالة الجليلة وتدعى البسوس, مضارب أقاربها وأقامت عندهم حينا من الدهر, جلبت معها القتل والدمار والشر.

 

أرسلت البسوس ناقتها وفصيلها للرعي في حمى كليب مع إبل جساس ابن أختها, وكان كليب قد منع أحدا من الرعي في حماه سوى إبله وإبل أنسبائه, مما أغضب كليبا لما رأى فصيل الناقة فرماه بسهم وقتله تاركا غياه مضرجا بالدماء وصوت الناقة يملئ السماء.

 

وصل الخبر لجساس فقال قولته الشهيرة قتلته وأخليت لنا لبن أمه”, ولم يقم جساس بفعل سوى قولته, وهي رواية أولى لحادثة ناقة البسوس, وفيها رواية أخرى مغايرة.

رواية مغايرة لسبب الحرب المباشرة

روي ان ناقة وتدعى سراب تعو لسعد بن شميس بن طوق الجرمي, وقد نزل ضيفا عند البسوس, وأرسل ناقته سراب ترعى مع إبل جساس, لتصل إلى حمى كليب.

 

فلما رآها كليب غضب وسأل عن صاحبها, قيل هي ناقة الجرمي, فقال كليب لا تعد هذه الناقة إلى حمانا, فرد عليه جساس أن إبلي لا ترعى إلا وناقة الجرمي معها, فقال كليب لجساس متوعدا, لئن عادت لأضعن سهمي في ضرعها, فرد جساس: لئن وضعت سهمك في ضرعها لأضعن سنان رمحي في لبتك.

 

عاد كليب غاضبا مغتاظا من ابن عمه جساس, وروى ما حدث معه لزوجته الجليلة, لتحاول الأخيرة تهدئته بأنهم أولاد عمه وصلة رحمه, فما بيدها سوى ذلك حيلة, وذهبت لأخيها جساس وقالت له نفس الكلام محاولة إنهاء المشكلة منعا للتشاحن والخصام.

 

وكان ذات مرة أن أولاد مرة عملوا على ربط ناقة الجرمي حتى لا ترد الماء امتثالا لأمر كليب, فلما مرت إبل كليب أقدمت الناقة على حل عقالها ولحقب بالإبل, وعندما رأى كليب الحادثة غضب وقال: أوقد بلغ من أمر ابن السعدية أن يجير علي بغير إذني, وأمر غلام بضربها فقتلها واختلط دمها بلبنها.

 

سمعت البسوس صراخ جارها الجرمي, صاحت بخبث: واذلاه, فرد عليها ابن أختها جساس: اصمتي فإني سأقتل جملا لكليب أعظم من ناقة جارك, ليصل الأمر إلى كليب دون أن يلقي له أي بال.

 

واصلت البسوس دس سمها وأحقادها الخفية, مستغلة طيش جساس وعنفوانه, وبغضه لتصرفات كليب, وأخرها قتل الناقة التي كانت محور القضية, فباتت ليل نهار تنسج الخطط والأفكار لتدفع جساس لقتل كليب.

 

موقف الزير سالم مما يحدث

أخذ الزير سالم الأمر بحكمة وروية, وذهب لأخيه جساس محاولا إقناعه بتهدئة الأمور مع أبناء عمومته, حفاظا على صلة القربي فيما بينهم, فكان رد كليب لأخيه الزير قاسيا “إنما أنت زير نساء, والله لو قُـتلت ما أخذت بدمـي إلا اللبن”.

 

قتل جساس لكليب وبداية حرب الدماء

بقيت البسوس تبث سمها يوما بعد يوم, وزادت الأحقاد في قلب جساس تجاه ابن عمه كليب, حتى جاء اليوم, الذي كان مشؤوما لما خلف بعده من حرب لم تنته إلا بعد بحر من الدماء, حيث اتجهن عدد من النسوة رفقة فرسان لحمايتها نحو موارد الماء وبرفقتهم جساس.

 

لحق كليب بالنسوة ومنعهم من ورود ماء تدعى شبيث, فاتجهن إلى ماء الأحص والغضب يملئ قلب جساس, فمنعهم كليب مجددا, فثار جساس أكثر فأكثر, حتى وصلت النسوة ماء الذنائب, ليعود كليب مجددا ويمنعهم منه مرة أخرى.

 

غضب جساس كثيرا من فعلة كليب وخاطبه بالقول: طردت أهلنا حتى كدت تقتلهم عطشاً, فأجابه كليب بغرور: ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون, ليرد جساس على كليب قائلا: هذا كمثل فعلتك بناقة خالتي البسوس, ليرد عليه كليبك أوقد ذكرتها, اما إني لو وجدتها في غير إبل مرة لأحللت بها الإبل جميعاً أو مانعي أن أذب عن حماي يا ابن السعدية.

 

وهنا استشاط غضب جساس من قول كليب وأتى نحوه وطعنه بين حضنيه, فأدرك كليب أنه ميت لا محالة, ليطلب من جساس شربة ماء دون أن يجيبه جساس لطلبه, كما طلب من عمرو بن الحارث شربة فلم يستجب له كذلك , بل قام وأجهز عليه.

 

عاد جساس بعد قتله لابن عمه إلى دياره كاشفا عن ركبتيه كعادة العرب إن فعلت فعلة عظيمة, فرآه أبوه مرة على حاله وقال: والله ما خرجت ركبتاه إلا لحدوث امر عظيم, ليسأل مرة ابنه جساس, ما الخبر؟, فأجابه جساس بالقول: ورائي أني قد طعنت طعنة لتشغلن شيوخ وائل بها زمانا, وعرف مرة حينها أن جساس قتل كليبا, ليقول لجساس: وددت أنت وإخوتك متم قبل هذا.

 

موقف الزير سالم من مقتل أخوه

كان الزير وقتها وكعادته مشغولا مع ابن عمه همام أخو جساس في لهوهم رفقة الجواري وشرب الخمر, وفي الصيد بالبرية, لتقوم جارية بإخبار همام بما حصل سرا, وقد أرسلها مرة لجلب همام خوفا من غضب الزير لمقتل أخيه كليب.

 

أحس الزير سالم بأمر غريب يحدث أمامه, ليسأل ابن عمه همام عن الخبر, وبينهما عهد أن يصدق أحدهما الآخر بالقول ولا يخفي عنه أمراً, ليخبره همام بأن جساس قتل كليبا, فرد الزير على همام مستهزئا ومستخفا بالأمر: دعك من هذا, فهمة أخيك أضعف من ذلك.

توقف همام عن لهوه وشربه وغادر مجلس الزير سالم خفية, وعاد إلى أهله ليتبين حقيقة القصة, وهنا كانت الفاجعة والصدمة لهمام عندما علم بحقيقة مقتل كليب على يد أخيه جساس.

 

حياة الزير سالم عقب مقتل أخيه كليب

عاد الزير وكعادته من مجلسه ثملا مترنحا لا يقوى على السير ينشد أشعار الحب والغزل, ووصل إلى مضارب قبيلته, ليجد أبناء تغلب وقد اجتمعوا بين باك وشاك, وبين مفجوع وبين مندهش من لحادثة, منهم ن يدعو للثأر ومنهم ن كسر رمحه وعقر خيله.

 

ثار الزير سالم حين سمع الخبر, وصاح بأبناء قبيلته قائلا: ذهبتم شر مذهب, أتعقرون خيولكم حين احتجتم إليها, وتكسرون سلاحكم حين افتقرتم إليه, ووجه بعدها خطابه لنساء قبيلته قائلا: استبقين للبكاء عيوناً تبكي إلى آخر الأبد.

 

بعد الحادثة خاف همام ابن عم الزير وشقيق جساس, من بطش الزير وانتقامه بينه رغم العلاقة القوية التي جمعت بينهما حيث كانا رفيقين في الصيد واللهو, أمضيا حياتهما رفقة بعضهما البعض كأخوين وأكثر من ذلك.

 

طمأن الزير سالم ابن عمه همام بأن لا علاقة له بالقصة, وحصر الأمر بينه وبين ابن عمه جساس, كما أقسم أمام همام بأن لا يرفع السيف عن مقتل قاتل كليب, وعن أهل قبيلته حتى يشفي غليله منه, مهددا بهتك نساء قومه وجعلهم عبرة, ليطلب الزير من همام أن يغادر ولا يريه وجهه ثانية, ليذهب همام ويبقى ابنه شيبان الذي رفض رفقة أبيه مفضلا البقاء مع خاله الزير سالم.

 

محاولات لوقف الانتقام ومنع الحرب

استشاط الزير سالم غضبا وبكى ألما على فقدان أخيه كليب, وتوعد بقتل قبيلة بكر جميعا, مما حذا بقبيلة تغلب أن اجتمعت في محاولة منهم للإصلاح بين الزير سالم وأبناء عمومته البكريين, قائلين للزير: إننا نرى ألا تعجل بالحرب حتى تعذر إلى إخواننا, فوالله ما تجدع بالحرب إل أنفك ولا تقطع إلا كفك.

 

رد الزير سالم على كلام حديث قومه قائلا: جدعه الله أنفاً وقـطعها كفاً, والله لا تحدثت نساء العرب أني أكلت لكليب ثمناً ولا اغتبـقت دمه حليباً, فرد قومه بالقول أن لا بد أن تغض طرفك وتخفض جناحك لنا ولهم قال لهم الزير وهو كاره أن ينفضوا من حوله لمخالفته لهم: دونكم ما أردتم.

 

انطلق بعدها قوم من أعيان ووجهاء قبيلة تغلب وأتوا عند سيد قبيلة بكر مرة وقالوا له : إنكم أتيتم أمراً عظيماً بقتلكم الملك بشارف من الإبل, وقطعتم الرحم ونحن نكره العجلة عليكم دون الإعذار, وإننا نعرض عليكم إحدى ثلاث لكم فيها مخرج ولنا فيها مرضاة.

 

إما أن تدفعوا إلينا بجساس فنقتله بصاحبنا كليب’ وما ظلم من قتل واتره, وإما أن تدفعوا إلينا هماما فإنه ند لكليب, وإما أن تمكنا من نفسك يا مرة ولنا فيها مرضاة, فصمت مرة برهة من الزمن لا يتكلم حتى طالبه أعيان بكر بالإجابة.

 

فقال مرة مخاطبا أعيان تغلب: أما جساس فغلام حديث سن ركب رأسه فهرب حين خاف ولا أدري أي بلد انطوت عليه, وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة وغداً يصيح بي بنوه ويقولون لي سلمت أبانا بجريرة عمنا, وأما أنا فلا أتعجل الموت, ولكن هل لكم في غير ذلك, هؤلاء بني فدونكم أحدهم خذوه فاقتلوه بابنكم وإلا فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر.

 

فغضب القوم من جواب مرة قائلين له: إنا لم نأتك لترذل لنا بنيك ولا لتسومنا اللبن, وعادوا ليخبروا الزير سالم بما حدث, فقال لهم الزير: والله ما كان كليب بجزور نأكل ثمنه, لينتهي الاجتماع دون اتفاق ويبتدأ الاستعداد لأطول حرب عرفتها العرب.

 

حرب السنوات الطوال

انقسمت قبائل بكر بعد ذلك بين مؤيد ومعارض للحرب, فاعتزلت يشكر الحرب, وقال الحارث بن عباد وقتها مقولته الشهيرة والتي راحت مثلاً ليومنا هذا “هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل”.

بقي الزير سالم زمنا طويلا يبكي أخاه كليبا ويرثيه بالقصائد الطوال, ويتوعد قبيلة بكر دون أن يهاجمهم, مهددا إياهم بقتل أطفالهم وشيوخهم, حتى يئس منه قومه متهمين إياه بأنه لا يصلح سوى للأقوال, قائلين بحقه: لقد صدق كليب حينما وصفك بزير نساء.

 

همت قبيلة مرة بالعودة إلى مضاربها وحماها بعدما أمنوا من غضب الزير سالم, ولما وصل الخبر للمهلهل ثار وتنبه لأخذ الثأر, ليجمع اطراف قومه, ومن ثم جز شعره وقصر ثوبه, وأقسم أن لا يلهيه لهو أو خمر ولا يتطيب بعد ذلك حتى يأخذ بثأر أخيه ويقــتل بكل عضو من كليب رجلاً من قبيلة بكر.

 

أما الجليلة زوجة كليب وشقيقة قاتل زوجها جساس, فقد اجتمعت نساء تغلب وطلبن من أخت كليب طرد الجليلة نحو قبيلتها, فقالت أخت كليب للجليلة “يا هذه اخرجي من مأتمنا فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا, لتخرج الجليلة نحو أهلها وبقيت عندهم وفي بطنها ابن كليب هجرس.

 

اندلعت حرب الثأر التي عرفت باسم حرب البسوس نسبة لخالة الجليلة التي حرضت جساس ضد ابن عمه كليب, وبقيت ما يقارب الأربعين سنة, أتعبت معها الطرفين كارها لها, وآملا في انتهائها, إلا الزير سالم الذي كان في كل وقعة أشد من سابقتها يقاتل بكل قوة وبأس لأخذ ثأر أخيه من جساس.

 

وفي كل معركة فرغ الزير سالم منها كان يعود إلى قبر أخيه كليبا يبكيه وينشد له الأشعار ويصف له ما حدث معه في المعركة وكم قتل وماذا فعل, ويسأل أمام القبر: هل اكتفيت يا أخي؟.

 

5 أيام في حرب الزير سالم

لم تكن حرب الزير سالم مع بكر متواصلة, وإنما وقعات فيما بينهم تحمل بينهم الشحناء والبغضاء وتجعل من مواجهة التغلبي بالبكري مواجهة طاحنة, فتذكر لاحقاً من أيامهم ومنها خمس وقعات ذكرها التاريخ لنا:

 

  • يوم الذنائب

وفيها قتل همام بن مرة أخو جساس وابن عم كليب والزير سالم والذي قضى معه أيام شبابه بين الصيد والخمرة والنساء.

 

  • يوم الواردات:

وفيها دخل الحارث بن عباد الحرب, بعدما أرسل ابن أخيه وقيل ابنه بجير إلى الزير سالم قائلا فيها: أي مهلهل لقد قتلت خصمك وأسرفت فيهم فأدركت ثأرك فكف عن القتل أحفظ للحيين وأدمل للجراح وإن كنت ترى غير ذلك فهذا ابني يجيزاً فاقتله مكان أخيك.

 

غضب الزير سالم من رسالة الحارث أشد الغضب وقال: هذا الوضيع مكان كليب, وسل سيفه يريد قتله, فحاول امرؤ القيس منعه بالقول: لا تفعل فو الله ليقتلن به منكم كبش لا يسأل عن خاله من هو, فرفض الزير مطلب امرؤ القيس, وطعن يجيزا برمح فقتله, وقال: بشسع نعل كليب محتقراً إياه بأنه قيمته لا تتجاوز خيطاً في نعل كليب.

 

وصل خبر مقتل يجيز إلى الحارث بن عباد وكان من أحلم أهل زمانه وقتها ومن أشدهم بأساً إن غضب, فقال: نعم القتيل قتيل أصلح بين حيين, فقيل للحارث: إنما قتله بشسع نعل كليب, فلم يجب الحارث وإنما أرسل للزير مستفسراً عن الأمر.

 

قال الحارث بن عباد للزير سالم: إن كنت قتلت يجيزاً بكليب وانقطعت الحرب بينكم وبين إخوانكم فقد طابت نفسي بذلك, فرد عليه المهلهل قائلا: إنما قتلته بشسع نعل كليب, وهنا غضب الحارث داعياً بفرسه وكانت تدعى النعامة, فجز ناصيتها وهلب ذيلها استعداداً للحرب منشداً أبياتاً من الشعر منها:

 

قتلوه بشسع نعل كليب                 إن قتل الكريم بالشسع غال

قربا مربط النعامة مني                  لقحت حرب وائل عن حيال

 

  • يوم عنيرة:

وفيها حدثت مقتلة عظيمة من قبيلة بكر وقيل أن فيها قتل جساس, بينما ورد في رواية ابن عبد ربه في عقده أن جساس مات إثر جرح أصيب بها من سهم أصابه, حين تواجه مع أبي نويرة, والذي قتل رفقة عشرة من الرجال كانوا معه, وجرح جساس ليهرب عند أخواله في الشام وهناك مات, دون أن يتقلد ملكاً أوحكماً أو تحكما بنساء التغلبيات.

 

  • يوم القصيبات:

وفيه شارك كلثوم زوج ليلى وهي ابنة الزير سالم.

 

  • يوم تحلاق اللمم:

وبهذا اليوم شارك الحارث بن عباد في الحرب في صفوف قبيلة بكر ضد التغلبيين عقب مقتل بجير وكانت آخر الأيام التي عرفت, ومع ذلك استمرت المواجهات بين الرجلين أياماً أخرى إلى أن تم الصلح.

 

وفاة الزير سالم ونهاية قصته

اختلفت الروايات حول حول موت الزير سالم ونهايته بين قصتين:

 

الرواية الأولى:

تحدثت هذه الرواية بأن نهاية الزير سالم كانت مع الحارث بن عباد, والذي تمكن من أسر الزير سالم, إلا أنه لم يعرفه لضعف أصاب الحارث في بصره, فسأله أن يدله على المهلهل, ليرد الأخير قائلا: ولك دمك, فقال الزير سالم: ولي ذمتك وذمة أبيك, فقال الحارث نعم لك ذلك, فقال الزير: أنا المهلهل, خدعتك عن نفسي, والحرب خدعة.

 

فقال الحارث للزير كافئني بما صنعت لك بعد جرمك, ودلني على كفء لبجـير الذي قتلته, فقال له الزير: لا أعلمه إلا امرؤ القيس بن أبان, فهو رئيس قومه والفارس الهمام, ليقوم الحارث بترك المهلهل حياً بعد أن جز ناصيته, ومن ثم شد إلى امرؤ القيس وأجهز عليه أيضاً.

 

بقي بعد ذلك الزير سالم بين قومه محرضاً إياهم على الأخذ بالثأر, إلا أنه لم يعد لكلامه مسمعاً بين قومه فالقبائل أنهكتها الحروب ولم يعد الزير ذلك الفارس الشجاع, ليقوم صلح بين القبيلتين, ليعود المهلهل وينقض الصح مجدداً بإغارة على قيس بن ثعلبة, ليتمكن عمرو بن مالك من أسر الزير سالم, حيث أحسن إليه بإيوائه بيتاً خاصاً يستقبل به ضيوفه ويولم لهم, حتى أتاه ضيف نصراني يوما وأهداه زقاً من خمر, فسكر الزير وأنشد هذه الأبيات:

 

طفلة ما ابنة المحلل بيضاء        لعوب لذيذة في العناق

فاذهبي ما إليك غير بعيد           لا يؤاتي العناق من في الوثاق

ضربت نحرها إلى وقالت           يا عديا لقد وقتك الأواقي

 

سمع بالأبيات عوف وكان زعيم قيس بن ثعلبة, فاغتاظ وغضب بشدة, مقسماً ألا يذوق المهلهل قطرة من الماء حتى يرد الخضير, وهو بعير لعوف لا يرد الماء إلا في اليوم السابع, حتى قال له قومه: بئس ما حلفت قتلت مهلهلاً, وإلى أن ورد خضير كان قد هلك المهلهل عطشاً.

 

الرواية الثانية لموت المهلهل:

تقول الرواية الثانية  وهي الأضعف بأن الزير سالم لما أسن وخرف أقام عليه قومه عبدان لخدمته, وخرج مرة بهما مسافراً فعزم العبدان على قتل المهلهل, فلما أيقن أنه هالك على يديهما لا محالة, كتب على قتب رحله:

من مبلغ الحيين أن مهلهلاً         لله دركما ودر أبيكما

 

ثم قام العبدان بقتل الزير سالم وعادا إلى القبيلة مدعيان أن الزير سالم قد مات, إلا أن ابنته ليلى قرأت ما كتبه الزير على القتب, فقالت: إن مهلهلاً لا يقول مثل هذا الشعر وإنما هو أراد

 

من مبلغ الحيين أن مهلهلاً          أمسى قتيلاً في الفلاة مجندلا

لله دركما ودر أبيكما                 لا يبرح العبدان حتى يقتلا

 

فأقر العبدان بفعلتهما وأنهما قتلا الزير سالم, ليتم قتلهما, وهي نهاية قصة البطل الزير سالم, الذي أمضى شبابه لاهيا بين النساء والخمرة, أو في البراري صائدا, ومن ثم أفنى أربعين عاماَ لثأر أخيه ناشداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى